صديق الحسيني القنوجي البخاري

78

فتح البيان في مقاصد القرآن

يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها ، والحزن ما غلظ من الأرض ، « وجعل » هنا بمعنى صير وجاء بمعنى صار وطفق وأوجد ، والتصيير يكون بالفعل تارة وبالقول والعقد أخرى ، والفراش وطاء يستقرون عليها ، واستدل به أكثر المفسرين على أن شكل الأرض بسيط ليس بكروي . وَالسَّماءَ بِناءً أي سقفا مرفوعا قيل إذا تأمل المتفكر في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض مفروشة كالبساط والنجوم كالمصابيح ، والإنسان كمالك البيت ، وفيه ضروب النبات المهيأة لمنافعه ، وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه ، فيجب على الإنسان المسخر له هذه الأشياء شكر اللّه تعالى عليها ، والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد ، وقيل جمع سماة ، والبناء مصدر سمى به المبني بيتا كان أو قبة أو خباء ، وأصل البناء وضع لبنة على أخرى فجعل السماء كالقبة المضروبة عليها ، والسقف للبيت الذي يسكنونه كما قال وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [ الأنبياء : 32 ] . وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يعني السحاب السَّماءَ يعني المطر فَأَخْرَجَ بِهِ أي بذلك الماء مِنَ الثَّمَراتِ جمع ثمرة رِزْقاً لَكُمْ والمعنى أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات وأنواعا من النبات ، ليكون ذلك متاعا لكم وعلفا لدوابكم إلى حين ، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ، ولكن له في الإنشاء مدرجا من حال إلى حال صنائع وحكما يجدد فيها لأولي الأبصار عبرا وسكونا إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً جمع ند وهو المثل والنظير ، وفي جعله جمع نديد نظر وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بعقولكم أن هذه الأشياء والأمثال لا يصح جعلها أندادا للّه وأنه واحد خالق لجميع الأشياء وإنه لا مثل له ولا ند ولا ضد ، وفي الآية دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال : قال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما شاء اللّه وشئت قال : « جعلتني للّه ندا . ما شاء اللّه وحده » « 1 » وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن حذيفة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء فلان قولوا ما شاء اللّه ثم شاء فلان » « 2 » وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال :

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الجنائز باب 103 ، وابن ماجة في الجنائز باب 24 ، وأحمد في المسند 2 / 3 ، 3 / 13 ، وفي لفظ : « أنّ رجلا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما شاء اللّه وشئت ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أجعلتني واللّه عدلا بل ما شاء اللّه وحده » . أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند 1 / 214 ، 224 ، 282 ، 347 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 76 ، والبخاري في الأيمان باب 8 ، في الترجمة ، وابن ماجة في